أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
201
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله : خالِدُونَ : « الذين » مبتدأ وما بعده صلة وعائد ، و « بآياتنا » متعلق بكذّبوا . ويجوز أن تكون الآية من باب الإعمال ، لأنّ « كفروا » يطلبها ، ويكون من إعمال الثاني للحذف من الأول ، والتقدير : كفروا بنا وكذّبوا بآياتنا . و « أولئك » مبتدأ ثان و « أصحاب » خبره ، والجملة خبر الأول ، ويجوز أن يكون « أولئك » بدلا من الموصول أو عطف بيان له ، و « أصحاب » خبر المبتدأ الموصول . وقوله : « هُمْ فِيها خالِدُونَ » جملة اسمية في محلّ نصب على الحال للتصريح بذلك في مواضع . قال تعالى : أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ « 1 » . وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا من « النار » ، قال : « لأنّ فيها ضميرا يعود عليها ، ويكون العامل فيها معنى الإضافة أو اللام المقدّرة » . انتهى . وقد عرف ما في ذلك . ويجوز أن تكون في محلّ رفع خبرا لأولئك ، وأيضا فيكون قد أخبر عنه بخبرين ، أحدهما مفرد وهو « أصحاب » . والثاني جملة ، وقد عرف ما فيه من الخلاف . و « فيها » متعلق ب « خالدون » . قالوا : وحذف من الكلام الأول ما أثبت في الثاني ، ومن الثاني ما أثبت في الأول ، والتقدير : فمن تبع هداي فلا خوف ولا حزن يلحقه وهو صاحب الجنة ، ومن كفر وكذّب لحقه الحزن والخوف وهو صاحب النار لأنّ التقسيم يقتضي ذلك ، ونظّروه بقول الشاعر : 401 - وإني لتعروني لذكراك فترة * كما انتفض العصفور بلّله القطر « 2 » والآية لغة : العلامة ، قال النابغة الذبياني : 402 - توهّمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع « 3 » وسمّيت آية القرآن آية لأنها علامة لانفصال ما قبلها عمّا بعدها . وقيل : سمّيت بذلك لأنها تجمع حروفا من القرآن فيكون من قولهم : « خرج بنو فلان بآيتهم » أي : بجماعتهم ، قال شاعر : 403 - خرجنا من النّقبين لا حيّ مثلنا * بآياتنا نزجي اللّقاح المطافلا « 4 » واختلف النحويون في وزنها : فمذهب سيبويه والخليل أنها فعلة ، والأصل : أيية بفتح العين ، تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، وهذا شاذ ، لأنه إذا اجتمع حرفا علة أعلّ الأخير ، لأنه محلّ التغيير نحو : هوى وحوى ، ومثلها في الشذوذ : غاية وطاية وراية . ومذهب الكسائي أن وزنها آيية على وزن فاعلة ، فكان القياس أن يدغم فيقال : آيّة كدابّة إلا أنه ترك ذلك تخفيفا ، فحذفوا عينها كما خفّفوا كينونة والأصل : كيّنونة بتشديد الياء ، وضعّفوا هذا بأنّ بناء كيّنونة أثقل فناسب التخفيف بخلاف هذه . ومذهب الفرّاء أنّها فعلة بسكون العين ، واختاره أبو البقاء قال : « لأنها من تأيّا القوم أي اجتمعوا ، وقالوا في
--> ( 1 ) سورة التغابن ، آية ( 10 ) . ( 2 ) البيت لأبي صخر الهذلي انظر شرح أشعار الهذليين ( 2 / 957 ) ، المقرب ( 1 / 162 ) أمالي القالي ( 1 / 147 ) ، الإنصاف ( 160 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 67 ) ، الهمع ( 1 / 194 ) ، الشذور ( 287 ) ، العيني ( 3 / 67 ) ، الخزانة ( 3 / 254 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 52 ) ، أوضح المسالك ( 3 / 223 ) ، القرطبي ( 1 / 48 ) . ( 4 ) البيت لبرج بن مسهر . انظر القرطبي ( 1 / 48 ) .